
كانت زيارة الولاية السابعة أو آدرار حلما جميلا طالما أيقظني مرات ومرات، لقد قرأت عن آدرار وسمعت عنها الكثير، فقبل قرن من الزمن كتب كورو القائد الفرنسي الشهير متبتلا في محراب مدينة أطار قائلاً: (إن من احتل واحات أطار فقد احتل البادية).
وباستثناء انواذيبو لم يسبق لي أن زرت إحدى الولايات الشمالية رغم رحلاتي الكثيرة في مختلف ولايات الوطن، وكان أن تقرر أن أزور الولاية السابعة في ظرفية خاصة وأن تكون الزيارة شاملة لمختلف مناطق الولاية، بدا الحلم الذي طالما راودني يقترب من التجسيد على الأرض واقعا معيشا.
بدأت الرحلة منتصف النهار كان رفيقا الرحلة صحفي مجنون و سائق أرعن! سبق وأن جالاَ في البلاد كل البلاد شرقا وغربا وجنوبا وشمالاَ، مع خروجنا مدخل العاصمة من جهة طريق أكجوجت بدأت الأرض السهلية تنبسط في وجوهنا كاشفة مكنوناتها، كان الرفيقان يتبادلان الحديث مستحضرين ذكرياتهم مع الأرض في مهماتهم السابقة وكنت مشدوها أبحث عن أكجوجت فقد أودعتها قبل سنين خلت "شيئا ما" وبعد ساعتين من السير بسرعة مائة كلم للساعة وصلناها وعرفت أنه كان علي أن أبحث قبلها عن أم اتونسي ومنعرج بنشاب والعصماء.
بدت أكجوجت مدينة جميلة وهادئة والحرارة بعد الظهيرة فيها دون المتوقع، سلكنا طريقا داخليا يؤدي إلى فندق الصحراء وسرقنا به مقيلاً على عجل ولم نلق كيداً! سألت نادلاً بمطعم الفندق سؤالاٌ أضحكه كثيراً ولم أدر ما السبب!.
غادرنا أكجوجت بعد عشرين دقيقة فقط وهي بالتأكيد لا تكفي لاكتشاف مدينة كبيرة وعصرية على ما بدا منها، ثم اعتدلنا على طريق أطار وبدا بعد أكجوجت مترهلاً يحتاج تدخلا سريعا من ETER مررنا على الويبدة ويغرف ثم عين أهل الطايع وكانت الأجمل، ثم انعرجنا يسارا مع طريق يؤدي إلى سد سكليل ووصلنا السد الذي يبدو أن الساكنة تستخدمه متنفساً مسائيا، بدا الجو ساخنا بعض الشيء، جربنا آلة التصوير DJI MINI 2 ففزع المتنزهون وهرعوا إلينا فأنزلناها بعد التقاط صور تجريبة قليلة للسد، شربنا كأس شاي وانطلقنا إلى أطار التي دخلناها مع آذان المغرب نردد مع: أحمد سالم ولد ببوط:
دون للى فخلاكك مورود = من لحواش أوانك مكرود
يومك لول من فم أتكود = يجمل لين أتعكب زار
واليوم الثانى من لبرود = أعليك ألا تتمش جار
والثالث تتحشلف مكرود = أمن الصبح إيل لصفرار
والرابع فرظ أعليه إعود = هو يوم أمجين لطار
غير أطار أحن لاجيناه = مفروظ أنكيس حد أفدار
أذاك الحال إلى وسيناه = ينكال أن عدلن عار
ويل كمن ما عدلناه = أنعود ماجين لطار.
ثم كانت أطار وهي مدينة مبهرة الإضاءة من بعيد ضيقة الشوارع من قريب، تلامس في الشبه تجكجة في كثير من أشيائها عمرانا و نمط حياة واقتصادا، لكنها تستثمر في الواحات أكثر من أي مدينة أخرى في الوطن، لقد أنشد سكان آدرار لحن التمور منذ القدم ورددوه كثيرا فجاد عليهم النخل رطبا جنيا.
تطالعك عند مدخل المدينة شركة تمور موريتانيا وفي وسطها مختبر أمراض النخيل وهي كلها أمور تعكس اهتمام الساكنة بالنخيل والواحات والاستثمار فيها.
بعد أن تغيب الشمس عليك في أطار المدينة في هذا الفصل بالذات لابد من الخروج شمالاً إلى ما يسمونه "صالة العمارية" وهي شريط على طريق أطار ازويرات به خيم تشبه الخيم المنثورة على طريق مسعود و أكجوجت إلا أنها أقل!
الناس ظرفاء بالفطرة، فالتنكيت صفة غالبة في حديثهم هنا، قررنا العودة أدراجنا إلى المدينة لنبيت فأمامنا يوم شاق من العمل تحت شمس آدرار أواسط يوليو؛ سيقودنا إلى الطواز وتيارت اصدر.
استيقظنا السادسة صباحا وبدأنا التحضير لرحلة تيارت اصدر وبدا أن الرفيقين سيزيدان بثالث يحمل صفة مهندس زراعي وانطلقنا شمالا إلى تيارت وكان الطريق مترهلآ مررنا على ترون -وقيل ترون لحمار- ثم زيرة لخشب ثم لمعيذة وامكيزيرة وتنغراد واكصير الطرشان وتض وكلها باستثناء لكصير قرى صغيرة، تتبع للطواز الذي يبعد عن الطريق أكثر من ثلاثين كلم، بدت ترون تخبئ شيئا ما لم نكتشفه فهي الوحيدة التي اتجه إليها يسارا طريق فرعي!
على كل حال لم نتوقف إلا عند حانوت وحيد بتيارت يبدو أنه لستينية استأثرت لنفسها بنصف كرم ساكنة آدرار ودعتنا لعريشها المتواضع لكننا كنا مستعجلين ودعناها بعدما اشترينا من حانوتها بطاقات للرصيد وانطلقنا يمينا إلى واحة تيارت.
كانت الواحة محطتنا الأولى ضمن جولة العمل في آدرار وهي واحة جميلة بطول كلمترين ونصف وبعرض ثلاث مائة متر أنجزها مشروع الواحات لصالح الساكنة ضمن جهود تثبيت الساكنة في قراها الأصلية أنجزنا العمل المطلوب منا وعدنا أدراجنا إلى أطار انشغلت كما العادة في التعرف على أسماء القرى والتجمعات السكانية، و قد لفت انتباهي تعلق الساكنة بقراهم هذه التي تكاد تنعدم فيها ظروف الحياة رغم ذلك يفضلونها على أطار ويقول أحدهم في رسالة لصديقه الذي أمضى وقتا في أطار:
كول السيدأحمد لين اتجيه* عنو خلق كامل يبقيه
ومتنكليه وفاصل فمجيه* وَنْ إلاه اخير امن أطار
ونُّ كاع أخير من ابْديهْ * والطواز وترون لحمار
ونْ أطار اللا وقت فيه * التنكار امونك ينزار
ام كوننُ يسكن فيه * من راصْ الصيف إلى لكصار
أثرو جابر شيات الهيه* فاهل اطار وجاحدْ لخبار
عدنا من تيارت اصدر في حدود الخامسة مساءً وعند مدخل أطار اصطحبنا معنا مهندسا زراعيا ثانيا وإلى الطواز يمينا سلكنا طريقا غير معبدٍ، تبعد المدينة 35 كلم شمالَ شرقِ أطار وهي عاصمة بلديةٍ، مجمل قراها وتجمعاتها السكانية على الطريق المعبد باستثناء الطواز نفسها و آمدير وأوط.
سكان الطواز طيبون كرماء، وإمام مسجدها اسمه "لغظف" وهو الأمين العام لرابطة التسيير التشاركي لمشروع الواحات بها، إنه ستينيٌ أنيق وخطيب مفوه وعارف بكل القصص والمأثورات والمكونات الاجتماعية بالولاية وفوق ذلك كله متهلل الوجه دائم البسمة مستعد للإجابة على كل الأسئلة حتى الخارج منها عن موضوع المهمة.
يرب ول سالم هو الآخر شخصية طوازية أصر أن يتحدث لنا من أمام نخلته التي يفاخر بها وبعد انتهاء المقابلة قلت له أين " عرش الصحافة؟ و"عرَشْ الطوييره"؟ -كما يسمونها- رد بكل عفوية لا نصيب لكم في نخيلي! وإن شئتم بعتم لي هذه "الطوييره" بكيس من التمر قلت له سنرسلها ليلاً إلى نخيلك ولن تترك فيه "توكايه وحده" - متعمداً وصف التمر بتوكه، فرد بكل عفوية "احح فالشْ انخل ول سالم بعد"،
عندما لملمنا أجهزتنا وهممنا بالمغادرة أخذ الكل بمن فيهم لغظف وسالم يعرضون علينا أخذ حاجتنا من التمر لكننا رفضنا رفضا باتا، فلا التمر يستهوينا أكلاً ولا نحن مستعدون للمتاجرة به وليعذرنا في ذلك سكان الطواز.
لم نقترب من المدينة كثيرا لذلك غابت انطباعاتنا عن أشياء مهمة وهي الأشياء التي لايمكن أن نسأل عنها لغظف، رغم ذلك كان صديق لي من أبناء الطواز قد دون قبل سنتين جوابا لبعض تساؤلاتنا يقول فيه:
الطواز اخل من شيات * كانت تور فيه ابديه
وابك فيه اللا لعليات* لكبرات واسلم عربيه
استيقظنا صباحا الوجهة هذه المرة إلى الشمال الغربي حيث مقاطعة أوجفت، إنها مدينة تتدرع بالجبال وذلك شأن أغلب مدن آدرار، وقبل أن تصل إلى أوجفت التي تبعد نحو سبعين كلم عن أطار، ستمر أولا بالسويكه ومنعرج "تيرجيت" والأخيرة مكان سياحي رائع جميل ثم تصعد مع مطلع انتورفين ويأتيك بعد ذلك منعرج أمحيرث يسارا ثم منعرج تونكاد و لُديْ يمينا وفجأة تظهر لك أوجفت.
مدينة جبلية مطلة على واحاتها من الغرب إطلالة بهية، واحاتها القديمة جميلة وواحاتها الجديدة واعدة واهتمام سكانها بالنخيل لم نلمس مثله في كل الأماكن التي زرناها من آدرار حتى الساعة.
أغلب سياراتها من نوعية "مرسيدس 190" والسائقون بهذه المدينة بارعون في ترويض الألمانية العجوز يذرعون بها بطحاء أوجفت جيئة وذهابا بين واحة لكراره في الجنوب وواحة التباري في الشرق.
ثم وصلنا بعد مشقة وعناء إلى تونكاد إنها تضم أكبر واحة نخيل في كل آدرار، وفي طريق العودة منها فضلنا ذرع بطحاء"'الواد الأبيض" وهو أكبر أودية البلاد عموما، متجهين إلى الطريق المعبد حيث عين اهل الطايع ومنها إلى المعذر ثم العودة إلى أطار ومنه إلى وادان وشنقيط، آثرنا السفر إلى وادان ليلاً وذلك لأسباب يعرفها الزملاء وأسروها في أنفسهم، تواصلت الرحلة خمس ساعات حيث وصلنا المدينة الثالثة فجرا.
كانت وادان مهيبة في صمت ومناخها بارد ليلاً عكس كل مناطق آدرار الأخرى، أما تنللّبه القريبة من وادان والتي وصلناها ظهيرة الجمعة في يوم ساخن وصلت درجات حرارته 46، فقد استقبلتنا بحفاوة كبيرة وبالغ من التقيناهم من سكانها في إكرامنا.
وكانت شنقيط آخر محطة ضمن جولتنا في الولاية السابعة، إنها مدينة لا تبوح بأسرارها للزائر أول مرة رغم ثنائية البطحاء ناصعة البياض وباسقات النخيل المطلة على جنبات الوادي.
الشيخ سيد أحمد زاروق
#أخبار_أطار




